مائة يوم على دخول ترامب البيت الأبيض

Donald Trump

في يوم السبت، يكمل دونالد ترامب مائة يوم  رئيساً  للولايات المتحدة الأمريكية. ولأول مرة، منذ عهد فرانكلين روزفلت، يتم اعتماد هذه الفترة الزمنية، منذ تولي المنصب، من قبل المعلقين والشعب، كنقطة مرجعية لقياس المسار السياسي والاستراتيجي المبكر للرئاسة الجديدة، وكفرصة لتقييم مدى نجاح الإدارة الجديدة في تحقيق وعود حملتها الانتخابية.

إذا ظل الرئيس ترامب محققاً لما هو متوقع منه، فإنه سيكون متحمساً للاحتفال بنجاحاته المبكرة، غير مبالٍ بأولئك اللذين قد يتجرأون على القول بأن ركائزاً أخرى في دستور الولايات المتحدة أو أن قصوراً في إدارته، قد أعاقاه بشكل أدى إلى تقصيره في العديد من وعوده الانتخابية.

في ظل رئاسة دونالد ترامب غير المتوقعة، وطبيعته المتحدية، يبدو من المؤكد أنه سيكون هناك العديد من الأصابع التي تشير إلى إخفاقاته المتمثلة في فرض الحظر على المسافرين المسلمين، وإجبار المكسيك على تمويل بناء الجدار الحدودي، ورفع درجة الاجراءات الحمائية ضد الصين، والأمر بانسحاب الولايات المتحدة من الناتو. كما سيكون هناك الكثير من الجدل حول آليات إدارته التي لا مازالت متعثرة، حيث لا تزال العديد من المناصب السياسية غير شاغرة. كما أن اثنين من كبار الملازمين، أحدهم فعلياً ليس على رأس عمله (اللواء مايك فلين، كمستشار للأمن القومي)، والآخر يلعب دوراً مهزوماً (ستيف بانون، كبير الاستراتيجيين).

مهما كان المنظور الذي تنظر من خلاله، يبقى الرئيس ترامب شخصية مثيرة  للجدل ، شخصية إما أن تحبها أو تبغضها. ويبدو واضحاً، إلى حد ما، أن هذا يمثل جزءاً من جاذبيته السياسية الشعبوية. إن شدة الإساءة للسيد ترامب وتشويه سمعته بواسطة المعلقين في كل ليلة، أضاف إلى جاذبيته عند كثير من الناخبين الأميركيين. وهو مازال لا يعتبر من سياسيي واشنطن  المتمرسين . ولا يزال كثير من الناس في جميع أنحاء أمريكا يرون أنه يتحدث عن مصالحهم، ويبديها على النخبة الحاكمة الضيقة

التبعات على دول مجلس التعاون الخليجي 

كيف إذاً كانت المائة يوم الأولى من منظور دول مجلس التعاون الخليجي؟ وما النتائج التي يمكن استخلاصها من التعاملات الأولى بين زعماء دول مجلس التعاون الخليجي والرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة؟

عموماً، يخلص معظم المعلقين إلى أن وصول الرئيس ترامب هو ميزة بالنسبة للمصالح الخليجية. ومع أن العلاقات مع الرئيس أوباما كانت دائماً ودية وإيجابية، بل ودافئة في بعض الأحيان، إلا أنه ليس هناك شك في أن دول مجلس التعاون الخليجي قد لدغت بما تم اعتباره فشلاً أمريكياً في الوقوف إلى جانب الحلفاء القدامى في ذروة الربيع العربي. لم يرفض الرئيس أوباما دعم الرئيس مبارك في وقت الحاجة فحسب، بل أعطى في نفس الوقت إشارة قوية لتشجيع الإخوان المسلمين، مهدت بدورها الطريق لانتخاب محمد مرسي.

على النقيض من ذلك، كان موقف الرئيس ترامب أقل إبهاماً تجاه الشرق الأوسط. لقد رحب بحرارة برئيس مصر، السيسي، كضيف له في البيت الأبيض. كما انتهز الفرصة للإشارة إلى أن إدارته تأخذ بعين الاعتبار حذو خطى الإمارات والسعودية في معاقبة جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية. كما رحب بالمثل  بولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمانبن عبدالعزيز. .

وقد كان الرئيس الجديد أقل دقة من سلفه فيما يتعلق بالتحديات التي تفرضها إيران على المنطقة. بالرغم من حياد السيد ترامب عن تعهدات حملته بكسر الاتفاق النووي الدولي مع إيرانالذي يعتبر صفقة سيئة للغايةإلا أنه ظل واضحاً تماماً بشأن استمرار الولايات المتحدة، تحت قيادته، باعتبار إيران خصماً لها. ولا يبدو أن هناك فرصة لإيران مع الرئيس ترامب، أو لاحتضان الأخير لآية الله علي خامنئي. وهذا يعني أن دول مجلس التعاون الخليجي يمكن أن تطمئن إلى أنها ستستعيد دعم الولايات المتحدة للجهود المبذولة ضد طموحات طهران المهيمنة. ومن المرجح أن يكون هذا في صالح التحالف الخليجي في اليمن، فقد أشار الرئيس ترامب بالفعل إلى دعم هجوم التحالف المتوقع على ميناء الحديدة الاستراتيجي الواقع تحت سيطرة الحوثيين.

من الناحية الاقتصادية، فإنه من السابق لأوانه الجزم إذا ما كان دونالد ترامب، صانع الصفقات الدولية ورجل الأعمال الرائد، سيحجب تدريجياً دونالد ترامب المرشح ذو مذهب الحمائية التجارية وأمريكا أولاً“. وإذا كان الأمر كذلك، فيبدو أن العديد من التهديدات بفرض  رسوم  حمائية، وشن حرب تجارية مع الصين، لن ترى النور. وسيكون في ذلك راحة لزعماء الخليج، اللذين يسعون إلى تحفيز نمو جديد في اقتصاداهم، وبالتالي لن يرحبوا بأي حركة من شأنها عرقلة استمرار زخم الانتعاش في الاقتصاد العالمي، إن كان لا يزال بطيئاً.

ثم هناك ظاهرة روسيا. بالنسبة للعديد من المعلقين السياسيين الأميركيين، يبدو من السخرية أن تكون نتائج الانتخابات قد تأثرت بروسيا لتشجيع فوز دونالد ترامب، الرجل الذي أعرب باستمرار في حملته الانتخابية، عن إعجابه بالرئيس فلاديمير بوتين، وتفاؤله بإمكانية تشجيع علاقة جديدة دافئة تحل محل الخصومة التي طال أمدها. ولكن الوقائع أدت إلى تغيير فوري في النغمة التي تفاقمت، بسبب استخدام روسيا حق النقض ضد إجراءات مجلس الأمن ضد الأسد في سوريا، ثم رد فعل موسكو الغاضب على التدخل الانتقامي الأمريكي فيها

مع إكماله المائة يوم الأولى في البيت الأبيض، يبدو بما لا يحتاج دليل، أن الرئيس ترامب قد وجد مهمة قيادة الدولة التي ما زالت القوة العظمى الوحيدة في العالم، أكثر تحدياً وتعقيداً مما كان متوقعاً، كما قال لرويترز في مقابلة في اليوم التاسع والتسعين: “اعتقدت أن الرئاسة ستكون أسهل“.

وفي كل  الأحوال، فإنه رغم المخاوف الأولية بشأن مشاعره المعادية للمسلمين، بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنه يبدو أن مزايا وصول دونالد ترامب للرئاسة أكثر من عيوبها، لا سيما عند النظر إليها من خلال المنظور الضيق للمخاوف العاجلة، ولكن الملحة. من ناحية أخرى، دول الخليج هي أيضاً أعضاء في المجتمع الدولي، ويبدو أنه لا يزال هناك خطر كبير من أن يؤدي ميل السيد ترامب إلى العمل مدفوعاً بالغريزة، وليس عقب دراسة متأنية، إلى أزمة غير متوقعة، ربما في شبه الجزيرة الكورية، أو تجاه عدائية إيران، أو ربما إلى حماقة اقتصادية؛ حيث يسعى السيد ترامب إلى تحقيق دعم قاعدته التي قدم لها وعوداً كثيرة جداً، لا تزال تبدو غير قابلة للتحقيق، إلا إذا تورط في تخريب اقتصادي متعمد.

عندما وقف دونالد ترامب أمام مبنى الكابيتول لأداء القسم في يناير الماضي، كانت هناك مخاوف حقيقية ومبررة بأن الشعب الأمريكي قد انتخب شعبوياً غير مؤهل وغير مستعد للعمل في المكتب البيضاوي. ولكن المائة يوم الأولى له في هذا المكتب، قد كشفت عن شخص مختلف قليلاً. شخص مقيد بالدستور الأمريكي كما أراد آباء أمريكا المؤسسين. شخص يبدو قادراً، ولو ببطء، على تمييز التعقيد الكامن وراء التحديات العديدة التي تواجه العالم، الذي تمثل أمريكا جزءاً منهشخص يدرك أنه يحتاج إلى أصدقاء، كما يتخذ خصوم. وفي هذا الصدد، يمكن القول بأن وضع دول مجلس التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة، أفضل مما كان عليه الحال في الماضي القريب.