الجمعة, 1 مارس, 2024

الفلبين وداعش

قد تكون عملية القضاء على داعش في سوريا والعراق قصيرة الأجل حيث قد تنشأ الخلافة القادمة في جنوب شرق آسيا.


ونتيجة لظاهرة محاولات القضاء على داعش التي لا مفر منها في العراق وسوريا، فإن الجماعة المسلحة كانت تبحث منذ فترة عن البلدان التي تستطيع فيها إعادة تجميع قواتها وإعادة بنائها بهدف إحياء حلمها في إنشاء خلافة تخضع للنسخة المتطرفة من القوانين الإسلامية. وهناك وجهة نظر خاصة برزت في أعقاب التمرد الذي قامت به احدى الجماعات التابعة لتنظيم داعش في الفلبين، وتقول وجهة النظر هذه أنه على الرغم من أن السلطات في مانيلا أوقفت التمرد، إلا أن البلاد لا تزال تشكل أرضا خصبة للتنظيم الذي يتصاعد وجوده هناك مرة أخرى وقد يصبح قوة ضارية في المنطقة.

وكانت الانتصارات الكبرى التي تحققت ضد داعش في الموصل والرقة ودير الزور من قبل مختلف القوى والائتلافات التي اعتمدت إلى حد كبير موقفا موحدا ضد التنظيم والجماعات التابعة له تعد إنجازا عسكريا هائلا. ومع ذلك، فإن مرونة تنظيم داعش في جميع أشكاله وتوجهاته لا يمكن الاستهانة بها وهو بالضبط ما يشير إليه كاتبي المقال. إنهم يدعون بشكل صحيح إلى أنه لا ينبغي لأية دولة أن تشعر بالراحة لسنوات طالما كان تنظيم داعش قد وضع نصب عينيه أقاليم أخرى حيث يمكن أن يقيم خلافة أخرى. وكانت ليبيا خيارا شعبيا كما كان الحال بالنسبة لعدد من البلدان الأفريقية الأخرى، غير أن ظهور الفلبين كبلد محتمل لإعادة تجميع قوات التنظيم وإعادة تأسيس نفسه لم يبرز بوجه خاص بين الأماكن المتوقعة للتنظيم التي حظيت باهتمام العديد من المحللين.

ويشير الكاتبان الى ان "الفلبين لديها تاريخ طويل من التشدد الإسلامي يعود الى السبعينيات عندما بدأت الجبهة الوطنية لتحرير مورو في محاربة الحكومة في سعيها الى مزيد من الحكم الذاتي عن الحكومة المركزية في مانيلا. وبعد انشقاقات مختلفة وانشقاق داخل الجبهة الوطنية لتحرير مورو، ظهرت جبهة تحرير مورو الإسلامية في عام 1984 واستمرت في تمرد منخفض الكثافة في جنوبي الفلبين. وقد تشكلت منظمة اسلامية اخرى، وهى جماعة ابو سياف التي تشكلت في اوائل التسعينات، وكانت لها صلات مع تنظيم القاعدة والجماعات الاسلامية المسلحة الاخرى في جميع انحاء جنوب شرق اسيا بما فيها الجماعة الاسلامية.

على الرغم من أن أكثر من ست جماعات إسلامية مسلحة في البلاد أقسمت ولائها لتنظيم داعش إلا أن التنظيم لم يبادلها ذلك حتى الآن. ويبدو أن ما أثار اهتمام تنظيم داعش هو أن عددا كبيرا من المسلحين استولوا على مدينة مراوي التي يبلغ عدد سكانها حوالي 200،000 نسمة، وهي أكبر مدينة في منطقة مينداناو ذاتية الحكم. وكانت اثنتان من المجموعات المتورطة في الاستيلاء على المدينة هما مجموعة أبو سياف ومجموعة ماؤوتي. وبمجرد أن أصبح واضحا أن داعش يمكن أن تحصل على اعتراف دولي كبير بهذه العملية فقد تم إرسال ما يقرب من مليوني دولار إليهم للمساعدة في جهودهم الحربية ضد السلطات الفلبينية.

واعتبر الصراع فرصة لاستغلال التوترات العرقية التي كانت موجودة منذ عقود بين الشمال الكاثوليكي في البلاد وجنوبها المسلم. وحقيقة أن المسلحين تمكنوا من الاستيلاء على مدينة مراوي لأكثر من ثلاثة أشهر على الرغم من القوة النارية الساحقة والمساعدة الأمريكية على جميع المستويات أثبتت مدى صمود هذه الجماعات في الدفاع عن المدينة.

وعلى الرغم من أن الرئيس رودريغو دوتيرت ذكر أن مراوي قد تم تحريرها في 17 أكتوبر بعد وفاة الزعيمين الرئيسيين لجماعة أبو سياف ومجموعة ماؤوتي وإيسنيلون هابيلون وعمر ماؤوتي، فإن التوترات والاضطرابات ما زالت متفشية في المنطقة. وقد تسبب الصراع في فوضى في قضايا القانون والنظام وأزمة إنسانية حادة تعرقل جهود إعادة الإعمار. ولا تزال الأوضاع متقلبة ويعتبرها الكثيرون أرضا خصبة جدا للتطرف وتجنيد الرجال والنساء لمواصلة زخم الجهاد.

ويبدو أن الدعم المقدم لمجموعات من قبيل هذه الجماعات في الفلبين، وبلدان أخرى في جنوب شرق آسيا وأفريقيا، التي أعلنت ولائها لداعش، هو المكان الذي تحاول فيه الجماعة أن تعيد بناء نفسها. فالتنظيم متفرع ومتعدد الأجزاء غير أن هذا الهيكل سيجعل من الصعب استهدافه وبالتالي سيؤكد استمرار وجوده لسنوات قادمة. وقد يكون الرئيس دوتيرت قد أوقف أول محاولة تنظيم داعش الرئيسية للاستيلاء على مينداناو، ولكن بذور السخط والاستياء قد زرعت والتي يعتقد كثير من المحللين أنها ستؤدي إلى المزيد من العنف وليس أقل. وفي حالة وقوع المزيد من العنف، لا يرجح أن يساعد الجيش الأمريكي في فتح جبهة أخرى لمكافحة التمرد، مما يترك القوات المسلحة الفلبينية الأقل تجهيزا وتدريبا جيدا لمحاولة القضاء على أي صراع في المستقبل.

وهناك العديد من المؤشرات إلى حدوث زيادة مفاجئة في النشاط العنيف في الفلبين. ويختم الكاتب مقاله بتحذير مفاده أنه: "حتى لو فشلت الفلبين في أن تصبح معقل رئيسي للشبكة العالمية لتنظيم الدولة الإسلامية يرجح أن تظل أرضا خصبة لتجنيد وتمويل ونشر الدعاية المستلهمة من قبل التنظيم لدعم داعش وأجندة العنف الخاصة به".

والحافة الأخرى لسيف داعش هي قدرته على بث أيديولوجياته المتطرفة عبر الإنترنت ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى. ولديه جيش من خبراء تكنولوجيا المعلومات الذين ينشرون الرسائل المتطرفة في جميع أنحاء العالم منذ إنشائه، وسوف يستمر في القيام بذلك في المستقبل المنظور. إن مكافحة هذا الأسلوب من التطرف والتجنيد يمثل مهمة أصعب بكثير من البساطة النسبية في إشراكه باستخدام الأسلحة التقليدية في ساحات القتال في العراق وسوريا. وهناك عدد من المجالات التي تعتزم المجموعة استغلالها، وككيان إرهابي، سيشكل خطرا على المجتمع الدولي لسنوات قادمة.

وتتواصل آلة الداعش الدعائية إلى استهداف الشباب واستغلالهم، ولاسيما أولئك الذين ينحدرون من خلفيات محرومة. وتؤدي مناطق البطالة المرتفعة وسوء المساكن والتعليم إلى الشعور بالظلم والإحباط الذي يستغله بانتظام. ويهدف التنظيم إلى تسويق "نمط حياة المستهلك، وهو نموذج الحكم الغربي، وكفاءة الحكم الذي يخلو من الفساد".

إن الطريقة المفضلة لمنع انتشار تنظيم داعش المشؤوم والأيديولوجية المتطرفة في المصدر هي تحفيز وتشجيع برامج مكافحة التطرف لمكافحته. وقد حقق برنامج "بريفنت" البريطاني لمنع التطرف نجاحا كبيرا، ولم يقتصر على تلبية احتياجات المسلمين الضعفاء فحسب، بل أيضا لمواطني المملكة المتحدة الذين أرادوا اتباع الأيديولوجيات الملتوية لليمين المتطرف.

داعش يتحول إلى وحش مختلف ولكنه سيبقى على قيد الحياة وإن كان على نطاق أصغر. وسيكون ناشطا في الخفاء ككيان إرهابي كما بدأ وسيحاول إعادة تجميع وبناء قواته في البلدان التي توجد فيها صراعات وقضايا اجتماعية مستفحلة مثل الفقر الاستياء والبطالة والاضطهاد. فهذا التنظيم يزدهر في خضم الفوضى ويستغلها بذكاء لأغراضه الخبيثة. ومن المؤسف أن إرهاب داعش سيظل باقيا.