السبت, 4 ديسمبر, 2021

ما الضجة حول صفقة مع إيران؟

ناقشت احدى جلسات مؤتمر الأمن العالمي في العاصمة واشنطن السؤال التالي؛ "هل يمكن لصفقة إيرانية امريكية أن تنجح؟ في الواقع يطرح كثيرون في مجلس التعاون الخليجي نفس السؤال، ويتوجسون من حجم وتأثير مثل هذه الصفقة. لم يخرج النقاش في ذلك المؤتمر عما ألفناه في الحديث عن إيران والولايات المتحدة وصفقة محتملة بينهما حيث ركز على وقف برنامج إيران النووي. بيد أن الأمر مختلف بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، التي يتركز خطابها على مجموعة هامة من المسائل الجيوسياسية، والتي يبدو أن المفكرين وصناع القرار في واشنطن أغفلوها من حساباتهم.


وفي حين يتحدث المسؤولون الأمريكيون عن رغبتهم في عودة إيران إلى أحضان المجتمع الدولي لتصبح عضواً فاعلاً مسئولاً، يبدو أنهم يقيسون المسؤولية بمعيار واحد فقط: موافقة إيران على كبح برنامجها النووي! لا يختلف أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي من حيث المبدأ، مع ضم إيران كعضو فاعل إلى المجتمع الدولي. فإيران، ولجميع أعضاء مجلس التعاون الخليجي كانت وما تزال جزءاً من المنطقة، كما هي دول مجلس التعاون الخليجي. إن إزالة أسباب التوتر في المنطقة سيسهم بلا شك في استقرار وازدهار المنطقة بأسرها. جميع دول مجلس التعاون الخليجي لديها اتفاقيات ثنائية مع إيران للحفاظ على علاقات منظمة، وبعضها لديها علاقات اقتصادية وتاريخية واجتماعية قديمة.

إلا أن طبيعة التصريحات الصادرة من واشنطن حول العلاقات المستقبلية مع إيران واحتمال عقد صفقة قد أثارت الشكوك لدى دول الخليج. فرفض المملكة العربية السعودية لمقعد مجلس الأمن الدولي لم يكن احتجاجا على عجز الأمم المتحدة في فلسطين أو سوريا فقط، بل هو أيضا اشارة امتعاض من تجاهل واشنطن لبواعث القلق الأمنية السعودية في المنطقة جراء الغزل الأمريكي - الإيراني. لقد أدى الموقف الأمريكي تجاه سوريا وإيران إلى تبديد الثقة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى تجاه الولايات المتحدة. وليس من قبيل المصادفة أن تبدأ "بي بي سي فينشر" تسريبات عن صفقة أسلحة نووية بين المملكة العربية السعودية وباكستان عندما بدأت المفاوضات بين الولايات المتحدة وايرن في جنيف في غياب أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي.

تميل دول الخليج إلى اعتبار الاتفاق المتوقع في جنيف على أساس أنه اتفاق قد ينطوي على نتائج أكثر أهمية من مجرد اتفاق بسيط لرفع العقوبات في مقابل وقف تخصيب اليورانيوم. وبدلاً من أن ينظر للصفقة على أنها تهدف لإرساء الأمن والاستقرار في المنطقة، فإن دول مجلس التعاون الخليجي تنظر إليها في سياق جهود الولايات المتحدة الساعة لتقليص وجودها الإقليمي بسبب تخفيض الولايات المتحدة ميزانيتها والسعي لتحقيق "الاستقلال في مجال الطاقة". وفي حين يمكن تفهم تحول الموقف الدفاعي وقيود الميزانية، إلا أن المحللين الخليجيين يخشون من أن تفرض الاعتبارات التكتيكية نفسها على التوجهات الاستراتيجية في التعامل مع إيران. بل لعل الأمر قد يصبح أكثر خطورة بنظرهم إذا أخذت تلك الدوافع التكتيكية  بعين الاعتبار التأثير طويل الأمد على أمن الخليج العربي.

حددت السيدة هالة اسفندياري،  أحدى المتحدثات في المؤتمر الذي عقد في واشنطن حول الصفقة المحتملة بين الولايات المتحدة وإيران، النتائج التي تتطلع إليها إيران بأنها "إنهاء العقوبات والاعتراف بالدور الإيراني في المنطقة". لكن اسفندياري لم توضح، ماهية هذا الدوروكيف سيؤثر على مستقبل المنطقة.

إن ما ستحصل عليه إيران بخلاف رفع العقوبات، يشكل فهم دول مجلس التعاون الخليجي، وردود أفعالها، تجاه مثل هذه الصفقة. فالغموض حول الدور الإيراني في الخليج العربي ما بعد الصفقة يثير نوعا من سوء الفهم. وفي حين أنه، ومن وجهة النظر الأمريكية، يمكن لإيران أن تسهم في جهود الولايات المتحدة لتحقيق الاستقرار في العراق وسوريا ولبنان، و حتى أفغانستان وباكستان. فإن هذا الدور بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، يعني السيطرة بلا منازع على مسارات الملاحة الدولية في الخليج العربي، كما يعطي إيران الفرصة للتلويح بسيفها بحجة حماية مصالح الشيعة في دول المجلس. وبالنسبة للكثيرين، فإن هذا يعني الهيمنة وبسط النفوذ. فإيران تحتل بالفعل ثلاث جزر إماراتية، وتهدد بمطالبات تمس سيادة البحرين، وتمد النظام السوري بالمقاتلين والأسلحة، وتدعم الجماعات المسلحة في لبنان واليمن، وترفع راية حماية الشيعة في كل مكان في العالم. إن مباركة الولايات المتحدة لدور إيراني أوسع في الخليج يمكن أن يشجع المزيد من طموحات الهيمنة الإيرانية هذه .

ولأن الخطاب الأمريكي لايتطرق لأي من هذه التفسيرات عن دور إيران كجزء من "الصفقة"، فإن لأعضاء مجلس التعاون الخليجي سبب مشروع للشعور بالقلق. ويبدو أن جهود الولايات المتحدة المتأخرة للتشاور مع أعضاء المجلس حول هذه المفاوضات لم تفعل سوى تأجيج المخاوف بدلا من تهدئتها.

فالصفقة مع إيران ليست فقط صفقة نووية. وإنما سوف تكون لها آثار جيوسياسية تتطلب القبول والمشاركة من جميع الشركاء الإقليميين والدوليين. آراء دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بتحديد معنى دور إيران كعضو مسؤول في المجتمع الدولي "يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار  إن كان لهذه الجهود أن تنجح في الحصول على الدعم الإقليمي. يجب تحديد دور إيران بوصفها عضواً مسئولاً في المجتمع الدولي من الناحية العملية بحيث تعكس الإلتزام بالقانون الدولي وليس مجرد الالتزام بعمليات تفتيش دولية لضمان امتثالها بتبني برنامج نووي لإنتاج الطاقة النووية السلمية.

إن العناصر الرئيسية لصفقة الكبرى مع إيران والتي من شأنها أن تعالج بواعث قلق دول المنطقة هي:

  1. قبول إيران للتحكيم الدولي في قضية الجزر الإماراتية الثلاث التي تحتلها إيران.
  2. تخليها عن دورها كحامية لحمى الشيعة كافة وذلك من منطلق كونها دولة مستقلة ذات سيادة وطنية وليست زعامة دينية عابرة للأقطار تتجاوز القوانين السيادية للدول الأخرى وتتدخل في شؤونها.
  3. التزام إيران بالاتفاقيات الدولية بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.
  4. توقيع اتفاقيات عدم اعتداء ملزمة قانوناً مع جيرانها .

إن صفقة كهذه لابد وأن تثير اهتمام دول مجلس التعاون الخليجي ولأسباب وجيهة، ولابد من معالجة تلك الأسباب في أي محادثات مع إيران.

محمدعبد الرحمن باهرون

محمدعبد الرحمن باهرون

نائب المدير التنفيذي

المزيد

مجالات الخبرة

  • جيو-استراتيجية
  • السمعة والقوة الناعمة
  • السياسة العامة والعلاقات الدولية

التعليم

  • حاصل على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة تكساس التقنية عام 1995
  • تخصص اللغة الإنجليزية من جامعة الكويت عام 1987

السيرة الشخصية

محمد باهرون هو المدير العام لمركز بحوث، الذي أسسه مع أحمد المنصوري في عام 2002 في دبي، الإمارات العربية المتحدة.

حصل محمد باهرون على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة تكساس للتكنولوجيا عام 1995 وماجستير اللغة الإنجليزية من جامعة الكويت عام 1987. ووجد أن أدب القراءة ساعده في تكوين الصورة الكبيرة لأنه كان يحتاج دائمًا إلى الاستماع إلى أشياء لم يتم قولها. أدى ذلك إلى مهنة في مجال الإعلام حيث عمل كمراسل لمجلة العربي، والتي كانت شهرية ثقافية ممتازة في العالم العربي.

واصل محمد مسيرته المهنية في مجال الإعلام ككاتب لجريدة الاجتهاد، ثم عمل كمحرّر لمجلة تحدي الخليج. كانت نقطة تحول بالنسبة له عندما بدأ يرى أن عوالم الأدب والسياسة لم تكن مختلفة تمامًا.

لقد كانت نقطة انطلاق لإنشاء مركز بحوث. منذ ذلك الحين يقرأ باهرون السياسة العالمية باعتبارها النوع الأدبي النهائي حيث الحقيقة والخيال وجهان لعملة واحدة.