الثلاثاء, 6 ديسمبر, 2022

تحديد أهداف نظام الرعاية الصحية

بينما كان صديقي يشرح لي تشخيص الاطباء في المانيا لآلام الركبة التي كان يعاني منها والعلاج المقترح، قفز التساؤل الى ذهني تلقائياً: "لماذا يعجز اطباؤنا عن التوصل الى التشخيص نفسه الذي قام به الاطباء في المانيا خصوصا انه تشخيص ظاهري وليس ميكروسكوبي او معملي مثلا؟".


لقد تم تشخيص سبب آلام الركبة لديه بفارق الطول بين الساقين، فإحدى ساقيه أقصر من الاخرى بسنتيمتر ونصف تقريبا عن الأخرى وعليه تم تفصيل حذاء خاص له يعينه على تفادي تبعات هذا العيب الخلقي. لقد توصل الطبيب الألماني الى هذا بالمعاينة والفحص الظاهري، والسؤال هنا: الا يمكن للأطباء المحليين في دول الخليج او اي دولة خليجية او عربية اخرى أن يتوصلوا الى تشخيص مثل هذا؟   ولماذا يتطلب الأمر السفر الى المانيا لاكتشاف علة مثل هذه؟

لدينا بالتأكيد اطباء مهرة، لكن لماذا لا تصبح الخبرات المتاحة كفيلة بالتعامل مع معظم الأمراض التي تدفع الكثيرين الى السفر الى بلدان اخرى لتلقي تشخيص وعلاج متاح في بلدنا. مهلا.. هل هو متاح أم اننا نفترض انه متاح ونفترض ان الأطباء لدينا قادرون على تقديم نفس التشخيص؟

نظرياً، يمكننا الافتراض ان الاطباء في اي مكان مؤهلون لاكتشاف نفس الأمراض ونفس العلل وتقديم نفس العلاج، لكن هذا ليس صحيحاً بالمطلق. فالخبرة وتفاوتها من طبيب الى آخر ومن بلد الى آخر تلعب تحدث فارقاً في الطريقة التي يتعامل بها الأطباء مع الحالات التي أمامهم وتاليا في امكانية التوصل الى التشخيص الأدق والأصح للمرض.

لكن ما هو التعريف الأفضل للخبرة؟ هل تقادم السنوات يعطي خبرة بالضرورة؟ أم ان الخبرة تأتي من مكان أو من مصدر آخر؟

الخبرة قد تأتي من تقادم السنين وتكرار الحالات المرضية، لكن خبرة من هذا النوع لا يمكن ان تسهم في تطوير كفاءة وفعالية اي نظام صحي مالم يتم تحديد هدف نهائي لهذه الخبرة.
يقوم النظام الصحي في اي بلد على هدف يبدو بديهياً وهو تقديم خدمات رعاية صحية للسكان. لكن هدف تقديم الرعاية الصحية بحاجة الى تحديد وجملة من التعريفات الدقيقة. فهل المقصود هو انتظار المرضى كي يصلوا المستشفيات وتقديم الخدمات لهم؟ أم رفع الجاهزية للتعامل مع جائحة صحية او فاشية تطرأ بسبب عوامل خارجية مستجدة؟ هل هو التحصين والتطعيم؟ هل هو ابتكار علاجات جديدة لأمراض مستوطنة؟ ابعد من هذا: من يتحمل كلفة هذه الخدمات؟ هل تتحملها الدولة ام تترك للقطاع الخاص وعوامل السوق وقانون العرض والطلب؟

إمكانيات محدودة ونظام صحي متطور

بعيدا عن الجدل عن صحة خيارات تحمل الحكومات او القطاع الخاص لكلفة تقديم الخدمات الصحية، تظهر بعض التجارب صحة هذا الخيار او ذاك. في هذا الصدد لن يكون ثمة مناص من التوقف عند تجربة بلد صغير وقليل الامكانيات والموارد مثل كوبا.

حسب منظمة الصحة العالمية ومنظمات صحية اقليمية وقارية عديدة، فان كوبا بنت لنفسها واحداٌ من أفضل الانظمة الصحية في العالم "تحسدها عليه بلدان أخرى كثيرة بما في ذلك عدد قليل من البلدان المتقدمة ([1])" حسب تقرير لمحطة "أيه بي سي - ABC" الامريكية.

وحسب تقرير المشار اليه، فإن التحصين الكامل للأطفال حتى عمر سنتين يصل الى 98% حيث يتم تطعيم الاطفال ضد 13 مرضاً. كما ان الرعاية الصحية لما قبل الولادة تصل الى 95% من النساء الحوامل بحلول الشهور الثلاثة الأولى من الحمل. اما معدل وفيات الرضع فهو اقل من 5.3 لكل 1000 مولود في حين يبلغ في الولايات المتحدة 8.26 وفي كندا 5.5 لكل ألف ولادة.
وثمة انجاز آخر هو القضاء على انتقال فيروس نقص المناعة المكتسبة (الأيدز) من الأم الى الطفل. وفي عام 2015، اعترفت منظمة الصحة العالمية بأن كوبا هي اول بلد يزيل انتقال الفيروس من الأم من الى الطفل.

أضف الى هذا ان الكوبيون تمكنوا من ابتكار لقاح لسرطان الرئة يحمل اسم "سيمافاكس–CimaVax". وبعد تحسن العلاقات بين الولايات المتحدة وكوبا، بدأ معهد "روزيل بارك" بارك للسرطان في بافالو بنيويورك في تقديم هذا اللقاح الكوبي لمرضاه ([2]).

ما السر في هذه الانجازات؟ وكيف تمكن الكوبيون رغم الحصار الذي كان مفروضاً عليهم طيلة خمسة عقود من بناء نظام صحي وخدمات صحية تعد من الاكثر تطوراً في العالم؟
لقد قرر الكوبيون منذ الثمانينات تقريباً التركيز بشكل متزايد على "الرعاية الوقائية" بهدف ابقاء السكان في صحة جيدة وتمكين كل مواطن كوبي من الوصول الى طبيب وفريق من الممرضين.

هكذا فان العناصر الاساسية لهذه المقاربة تقوم على التركيز على الطب الوقائي، الزيارات المنزلية، طبيب لكل 150 نسمة نظرا لكثرة اعداد الأطباء في كوبا. اما البعد الاخلاقي في أن تصبح طبيباً في كوبا فلا يتعلق بالمال وتحسين الوضع الاجتماعي بل بمساعدة الأخرين. ولأن الدولة تتحمل كلفة النظام الصحي بالكامل، فإن الاطباء ليس لديهم ما يمكن ان يقلقوا بشأنه اكثر من تطوير خبراتهم وخدماتهم، فرواتب الاطباء لا تزيد على 52 جنيه استرليني اي ما يعادل (248.892 درهم اماراتي).

يدعم هذا النظام بنية مساندة من مراكز البحث ومصانع الأدوية حيث بلغ عدد مؤسسات ومراكز البحوث 24 مؤسسة اما مصانع الأدوية فقد بلغت 58 مصنعاً.

عوامل السوق والعرض والطلب

ثمة مثال آخر يظهر ان السوق وعوامل العرض والطلب يمكن ان تسهم احيانا في تطور إحدى الخدمات الطبية. ففي ايران مثلا التي تتحمل الدولة فيها بالكامل كلفة الرعاية الصحية الأساسية للمواطنين، تم استثناء جراحات التجميل باعتبارها خدمة غير أساسية.

لكن هذه الاستثناء اضافة الى الطلب الكبير على خدمة كهذه من قبل الايرانيات خصوصا عمليات تجميل الأنف، أسهم على ما يبدو في تطور خبرات الأطباء الإيرانيين وتالياً تحويل إيران الى مقصد لطالبي (طالبات بالأصح) الجراحات التجميلية لا في إيران فحسب بل في دول المنطقة ايضاً.

ورغم ان الايرانيات يقترضن من المصارف لإجراء جراحة تجميلية ([3])، إلا أن فارق العملة وعوامل التضخم جعلت هذه الكلفة قليلة بالنسبة للخليجيين الذين باتوا يقصدون إيران لجراحات من هذا النوع. ومن الواضح ان العوامل الاقتصادية لعبت دورها الحاسم هنا في شهرة الاطباء الايرانيين مقابل الشهرة التي يتمتع بها الاطباء اللبنانيون منذ زمن في هذا النوع من الجراحات، لأن كلفة هذه العمليات في لبنان عالية جداً.

في المحصلة النهائية، يقدم هذين المثلين صورة واضحة عن اسباب تقدم اي نوع من الخدمات الصحية، لكن النموذج الكوبي يقدم مقاربة شاملة لنظام صحي متكامل، في حين ان مثال الجراحات التجميلية في إيران يقدم مثالا على الكيفية التي يمكن ان تدفع فيها عوامل السوق والعرض والطلب بقطاع او خدمة معينة الى التطور. 

تبقى العبرة التي يقدمها النموذج الكوبي هي تلك التي تجيب على تساؤلاتنا الأولى حول تحديد هدف نهائي لنظام الرعاية الصحية.

أهداف الرعاية الصحية

 ومع اتجاه دول المنطقة منذ اواخر التسعينات من القرن الماضي في تخصيص خدمات الرعاية الصحية واعتماد نظام التأمين الصحي، فإن تحديد هدف للرعاية الصحية يبدو أولوية قصوى، فهو اكثر همية من ان يترك لعوامل السوق وسياسات شركات التأمين الصحي.

 إن دول الخليج ماتزال تتحمل كلفة الرعاية الصحية وتخصص موازنات كبيرة الخدمات الصحية، لكن مؤشرات المراضة فيها ماتزال تشير الى تزايد في اعداد المصابين بالأمراض المستوطنة مثل السكري وامراض أخرى مثل القلب والسرطان. الاكثر من هذا ان توجه السكان الى الخارج لطلب علاجات تقوم على التشخيص الظاهري فقط يعني ان هناك خللاً في طريقة عمل الأطباء تحول بينهم وبين تقديم تشخيص ظاهري بسيط لا يعتمد الا على التفكير والتساؤل.

هنا سنعود الى نوعين من الخلل يتطلبان الحل، الأول هو ذاك المتعلق بطريقة عمل الأطباء لدينا ودوافعهم. وبقدر ما يتعلق الأمر بالدوافع الذاتية لدى الأطباء، فإنه يتعلق أيضا بنظام العمل والاهداف النهائية للنظام الصحي بأكمله.  ففي غياب اهداف واضحة، يمكن بسهولة ملاحظة كيف ان مستشفيات ومراكز علاجية متقدمة في معظم دول الخليج يمكن ان تتحول الى ما يشبه عيادة كبرى تقدم خدماتها يوماً بيوم للمرضى.

قد لا يكون المجال متاحاً هنا للمضي قدما في استعراض تقني وعلمي للخيارات المتاحة لتحديد هدف نهائي للخدمات الصحية في بلداننا، لكن بالإمكان تلخيص هذه المهمة في مقاربة مختصرة: "لا تنتظر المرضى بل اذهب إليهم مسبقاً.. لا تنتظر حلولاً بل ابحث عنها". بمعنى آخر علينا ان نركز على الطب الوقائي وعلينا ان نمارس البحث العلمي"، فالصحة اكثر اهمية واولوية من ان تترك للشركات ولقوانين السوق، كما ان اهدافاً كهذه تتطلب إعادة تعريف لمعنى تكون طبيباً.

محمد أحمد يوسف العبيدلي

محمد أحمد يوسف العبيدلي

مستشار

المزيد

مجالات الخبرة

  • الشؤون الاقليمية
  • السياسات العامة
  • الشؤون الجيوستراتيجية

التعليم

  • كلية الاقتصاد والعلوم السياسية (جامعة القاهرة)

السيرة الشخصية

خلال سنواته المهنية الطويلة في الصحافة التي بلغت 30 عاما، شغل العبيدلي العديد من المسؤوليات خصوصا في الشؤون العربية والدولية حيث قام بتغطية العديد من الاحداث الساخنة في منطقة الخليج العربي خصوصا الحرب العراقية – الايرانية وحرب تحرير الكويت. كما تخصص في تغطية التطورات والشؤون الاقليمية في منطقة الشرق الاوسط خصوصا الشأن الفلسطيني اضافة الى الشأن السوداني كما تخصص في السنوات الاخيرة في شؤون حركات الاسلام السياسي.

كتب للصحافة المحلية والخليجية كما عمل لمدة عشر سنوات مراسلا لوكالة الصحافة الفرنسية وعمل محررا في شهرية لوموند ديبلوماتيك (النشرة العربية). اسهمت هذه الخلفيات في ترسيخ قاعدة متينة للانتقال الى ميدان الابحاث والدراسات.