الجمعة, 27 مارس, 2026

الحرب الأمريكية-الإيرانية: الخليج في عُمق سباق الضغوط والنهايات المفتوحة

استمرار الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، واستمرار ردّ طهران على دول الخليج العربية لمدة أسبوع متواصل، يطرح سؤال "إلى متى" يمكن لهذا النمط من الحرب أن يستمر دون أن يتحول لاستنزاف شامل يطال القدرات العسكرية والاقتصادية


the-us–iran-war-the-gulf-at-the-heart-of-a-pressure-race-and-open-ended-scenarios.png

استمرار الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، واستمرار ردّ طهران على دول الخليج العربية لمدة أسبوع متواصل، يطرح سؤال "إلى متى" يمكن لهذا النمط من الحرب أن يستمر دون أن يتحول لاستنزاف شامل يطال القدرات العسكرية والاقتصادية. فمحدودية الذخائر الدقيقة وتأكل منصات الإطلاق لدى إيران، ليست عوامل تقنية فحسب، بل هي مؤشرات على السقف الزمني المتوقع لأي حملة جوية كثيفة. بذات الوقت فالثمن السياسي والاقتصادي لهذه الحرب يتجاوز أطرافها المباشرين فسوق الطاقة يعيش على هامش ضيق من الاستقرار، والاقتصاد العالمي لم يغلق ملفات ما بعد الجائحة وتداعيات الحروب المتلاحقة بين أوكرانيا وغزة. لذلك فإنّ كل يوم إضافي من التصعيد يزيد من علاوة المخاطر التي تترجم إلى أسعار وشحن وتأمين وقرارات استثمارية أكثر تحفظاً.

ومن هنا، تبرز أهمية فهم مقاربة واشنطن، وإدراك طهران لخطورة الوضع، شرطاً لبناء تصوّر حول سبب استهداف الخليج باعتباره عامل رئيسي في المعادلة، ويقع في قلب الجغرافيا التي تمر عبرها الطاقة والتجارة ومركز التشبيك المالي واللوجستي الذي يربط الشرق بالغرب ولهذا تدار الحرب على مقربة من هذه الدول وتستخدم أدوات تمسّها مباشرةً.

أولاً: بوصلة واشنطن..من الردع إلى إعادة الصياغة

الرئيس ترامب قدّم نفسه على أنه مرشح الازدهار وإنهاء الحروب، وتمنى الحصول على جائزة نوبل للسلام، لكن في اللحظة التي غيّر اسم وزارة الدفاع الأمريكية إلى وزارة الحرب الأمريكية واستخدم حرب الرسوم لفرض المصالح الأمريكية بدا أنه غيّر بوصلة إدارته إلى القوة الخشنة اقتصادياً وعسكرياً.

الرسالة الأمريكية هي أنّ مالم يتحقق بالسّلم سيتحقق بالحرب وهي الرسالة التي لم تُسمع في إيران خلال المفاوضات. والتي لا تزال غير مسموعة حتى الآن. من غير الواقعي اختزال الهدف الأميركي في "صفر تخصيب". ما يبدو أنه مطروح هو حزمة أوسع: وقف التخصيب عند مستويات محددة، وإخراج مخزون اليورانيوم خارج الأراضي الإيرانية، وتقييد البرنامج الصاروخي الذي يمنح إيران قدرة تهديد إقليمي مستمرة، وإنهاء دعم الوكلاء بما يحدّ من القدرة على تعطيل الممرات البحرية واستهداف العمق الخليجي والإسرائيلي. وبمعنى أدق، تريد واشنطن إعادة تعريف "حدود القوة الإيرانية" بحيث لا تُترجم إلى نفوذ عدائي مستدام.

وتظهر الاستراتيجية الأمريكية من خلال نمط الاستهداف حيث تم تركيز الضربات على الحلقة الأمنية والعسكرية بأعداد كبيرة، ما يعني أنّ الهدف هو شلّ القرار العملياتي وتقليل احتمالات الرّد المركّب وإضعاف مراكز اتخاذ القرارات العسكرية الفعالة. في المقابل، إبقاء شخصيات دبلوماسية ضمن السلطة التنفيذية قادرة على التواصل مثل الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي يوحي بأن واشنطن لا تغلق الباب أمام تسوية، لكنها تريد تسوية بشروطها وبمن يتم اعتبارهم "قابلون للتفاوض" لا "ميّالون للتعطيل". ومن هنا يأتي منطق الضغط قبل التفاوض لفرض الشروط، الأمر الذي يعني أنه لا وقف للحملة قبل الإقرار بمضمون التنازلات المطلوبة.

الهدف الاقتصادي وهو جزء لا يتجزأ من الحملة العسكرية ضد إيران، يتعلق بالاستثمار الأمريكي في قطاع الطاقة وضمان استمرارية الوفاء بالدولار بعيداً عن أي مشروع للدفع بعملات أخرى، سواء اليوان أو الروبية أو أي عملة أخرى قد تقوّض من مكانة الدولار وهيمنته في النظام المالي العالمي. بالنسبة لواشنطن هذا يتطلب إعادة هيكلة لمفهوم العداء للغرب نهائياً دون أنصاف حلول، وقد قارن البعض بين العلاقات اليابانية-الأمريكية قبل وبعد الحرب العالمية الثانية بإمكانيات التقارب مع إيران بعد الحرب وهو تصوّر قد يرفضه النظام الإيراني الراهن لكنه تصوّر موجود في قراءة تاريخ العلاقات الأمريكية.

 

دول مجلس التعاون الخليجي في معادلة الحرب

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، طرحت الحرب إشكاليات معقّدة للغاية، فرغم الخلافات الأمنية العميقة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية إلا أنّ دول الخليج أرادت في عدة مراحل إقامة علاقات طبيعية مع إيران وهي دولة ضخمة بتعداد سكاني يقارب المئة مليون نسمة واقتصاد يمتلك فرص كبيرة. وهو توجه عام لدول المنطقة مع جميع الدول خصوصاً في العقد الأخير الذي طغت فيه المقاربة الاقتصادية على السعي لمقاومة الهيمنة الأيديولوجية التي حاول فرضها الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي.

إذاً في اللحظة التي عادت فيها إيران لفكرة الهيمنة المباشرة باستهداف دول الخليج وبالأخص دولة الإمارات العربية باعتبارها نقطة تشبيك النظام المالي والاقتصادي العالمي ومَعلم النجاح اللوجستي الذي يصل الشرق بالغرب وباعتبارها كما يبدو التحدي لنماذج رجعية لا تزال تعمل ضمن القوانين الجيوسياسية بدل الجيواقتصاد. في هذه اللحظة نسفت إيران الثقة باتفاق خفض التصعيد الذي يفترض أن يفيد في منع الصّدام العسكري في مثل هذه الحالات، وقررت إيران تثبيت فكرة التهديد بدل الفرص والذي بدأ منذ ردّها على الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية في حرب ال12 يوم على قطر وهي الدولة التي لعبت دور كبير في التوسط مع الولايات المتحدة لصالح المفاوضات التي رعتها عُمان.  

وهذا يضع دول مجلس التعاون الخليجي أمام إشكالية المحافظة على الخيار الدفاعي وعلى موقعها كفاعل اقتصادي استراتيجي بالنسبة للعالم، دون أن تتحول لساحة استهداف أو ابتزاز للاقتصاد العالمي، ودون أن يتم دفعها للقيام بالاصطفاف العسكري في حرب حاولت جاهدة لمنعها.

وتتضاعف حساسية هذا المأزق عندما يتحول الاستهداف إلى تهديد مباشر للبنية الاقتصادية: منشآت الطاقة، الموانئ، المطارات، ومراكز الخدمات اللوجستية. فالهجوم على عقدة اقتصادية في الخليج لا يقصد تعطيل موقع بعينه فقط، بل المساس في نموذج المنطقة الذي انتقل من منطق الصراع إلى منطق الترابط والتشبيك. لذا يصبح استهداف الإمارات بصورة خاصة بوصفها عقدة تشبيك مالي وتجاري، يصبح رسالة سياسية بقدر ما هو عمل عسكري، لأن ضرب الثقة في سلاسل الإمداد يخلق أثراً يتجاوز الحدود ويتجاوز تأثيره الآني إلى حسابات مستقبلية مختلفة.

وفي هذا السياق يمكن فهم قرارات التصعيد الدبلوماسي، مثل سحب الإمارات بعثتها وإغلاق سفارتها في طهران، باعتباره ترجمة لمعادلة جديدة تتضمن بروز اعتبارات السيادة والأمن الداخلي على حسابات الانفتاح الاقتصادي. كما أن تجارب قطر في تعرضها للاستهداف تؤكد أن الوساطة والتعاون وقنوات التواصل لم تعد ضمانة كافية لمنع التهديد، وأن طهران اختارت تثبيت صورة التهديد بدل الاستثمار في الثقة التي بُنيت لمنع الحرب.

نظراً لاستمرار الاستراتيجية الإيرانية باستخدام الجغرافيا للردّ العسكري فهذا يعني أنها ستبقى مصدر تهديد لفترة طويلة في ذاكرة المنطقة، حتى وإن انتهت الحرب ببقاء النظام الإيراني مركزياً، وبدون مشاركة من أي دولة خليجية في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية رغم كل مساعي جرّها لهذا السيناريو. وسيبقى التساؤل حول استهداف إيران لدول الخليج في الحرب القادمة التي ستدخلها مع أي دولة في مواجهة أي تحدي مستقبلي، باعتبار أنّ دول الخليج وأهميتها وموقعها الاستراتيجي بالنسبة للاقتصاد العالمي لن يتغير وسيبقى قائماً بحكم الجغرافيا والثروات والفرص.

 

نهاية الحرب أم النهاية

الحرب الراهنة والعدوان الإيراني على دول الخليج، يضع هذه الدول وسط تحديات كبيرة بما فيها الانخراط العسكري في حرب قد تتحول لما يماثل الحرب على الإرهاب، بمعنى أنها ستكون مواجهة طويلة مفتوحة السيناريوهات. ما سيهدد الاستقرار الاقتصادي والأمني ولن يقتصر على الشرق الأوسط أو آسيا، بل سيمتد عالمياً، ويضع الدول في مواجهة أكثر احتداماً مع إيران يدخل فيها الاستهداف من مفهوم الحرب المباشرة وهو سيكون مختلف عن الاستهداف للضغط على الولايات المتحدة الذي تستخدمه إيران حتى الآن.

التحدي المقابل هو امتصاص الصدمات والتمسك بالخيار الدفاعي وسيعتمد الاستمرار بهذا السيناريو على طول أمد الحرب التي جذبت مواقف وقرارات من دول أوروبية، ومن الصين والهند وباكستان خصوصاً مع استهداف إيران لمواقع قطاع الطاقة وعملها على تعطيل مضيق هرمز وتهديد الحوثيين بدخول الحرب وبالتالي تهديد البحر الأحمر وباب المندب واحتمال استهداف دول الخليج أيضاً من الحوثيين، بالإضافة إلى وصول الاستهداف لقبرص وأذربيجان وتركيا.

لقد ذكّرت عولمة الآثار الاقتصادية لحرب إيران بأهمية موقع الخليج العربي الاستراتيجية-وبصورة قاسية-هذا يعني أنّ النافذة المتوفرة أمام النظام الإيراني لإيجاد مخرج تتقلّص بسرعة قبل الوصول لنقطة اللاعودة والتي لن تعني نهاية الحرب بشروط أو مفاوضات، بل ستكون النهاية المفتوحة على كل الاحتمالات.

رشا الجندي

رشا الجندي

مشرف بحثي

المزيد

مجالات الخبرة

  • خبيرة في الشؤون الأمنية والملفات السياسية الاستراتيجية لدول الخليج.
  • خبيرة في قضايا التعاون والأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وباحث أقدم في شؤون الخليج.

التعليم

  • شهادة ماستر في العلاقات الدولية والنظام العالمي من جامعة ليسستر في المملكة المتحدة 2016.
  • تخرّجت من كلية الحقوق عام 2006.

السيرة الشخصية

أ.رشا الجندي حائزة على شهادة ماستر في العلاقات الدولية والنظام العالمي من جامعة ليسستر في المملكة المتحدة 2016. تخرّجت من كلية الحقوق عام 2006، وتدرّبت كمحامية لتلتحق بنقابة المحامين في دمشق عام 2009. رشا خبيرة في أمن وسياسات منطقة الخليج، وتعمل في هذا الاختصاص منذ عام 2011. رشا باحث أقدم في شؤون الخليج في مركز دبي لأبحاث السياسات العامة، كما أنها تشرف على البرنامج التدريبي للمركز.