الخميس, 19 مارس, 2026

العرب بين حروب إيران وإسرائيل: العداء والسّعي للسّلام

.


Default

 

 

تستمر إيران بالتعرض لهجمات عسكرية من الولايات المتحدة وإسرائيل، ويستمرّ ردّها الأساسي بأن يكون ضد دول الخليج، ولا ينحصر عدوان إيران باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، بل يمتدّ إلى منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيويّة والمطارات والأبنية السكنية والفنادق. المسؤولين الإيرانيين برروا هذا الاستهداف من خلال مزاعم بأنّ الأمريكيين يخلون قواعدهم ويأخذون المدنيين دروع بشرية، هذه مزاعم لا تبرر وفق القانون الدولي استهداف المدنيين، وهي تكرر انتقام إسرائيل من قطاع غزة وتهديمه بالكامل بسبب اختباء عناصر حماس في مناطق المدنيين وتحت المستشفيات وبنائهم لأنفاق، وهي تقوم بذات العمليات العسكرية اليوم في لبنان التي نزح مليون من سكانها بسبب استهداف مناطق مدنية.  بالنتيجة إيران وإسرائيل بالنسبة للعرب لا تنظران ضمن أي معيار أخلاقي أو ضمن بوصلة القانون الدولي لمدنيي الدول العربية.

العرب بين تهديدين:

بالنسبة لإيران، فهي لم تعتدّ بأي شكل لكلّ مساعدة تلقتها من دول الخليج لمنع الحرب الراهنة، ولم يأخذ النظام الإيراني بعين الاعتبار بأنّ دول الخليج في استعادة علاقاتها مع إيران بوساطة الصين، قد قبلت بتجاوز أفعال إيران السابقة حينما أشعلت الخلافات السنيّة-الشيعية في الدول العربية، وسعت للتغلغل وبسط النفوذ من خلال تقسيم الشعوب وولاءاتهم خارج إطار الدول الوطنية، كل هذا قامت دول الخليج بتجاوزه سعياً لإقامة علاقات احترام ومصالح تبني دول حديثة متطورة تخدم شعوب المنطقة.

إيران، قررت التمسّك بأفكار رجعيّة تقوم على الهيمنة والبُعد الأمني وفرض المصالح، بينما العالم يتجه للذكاء الاصطناعي ورحلات السياحة في الفضاء قررت إيران أخذ المنطقة رهينة بالصواريخ والمسيرات وأنتجت لغة جديدة في التعامل مع تهديدات، فبعد أن انتقلت لمرحلة العلاقات الودّيّة كدولة جارة، باتت توصف من رئيس الدولة سمو الشيخ محمد بن زايد ب "العدو" وفي البيانات الرسمية باتت أفعالها توصف ب "العدوان الإرهابي" وبات أي تصوّر لاستقرار المنطقة يفرض التعامل مع برنامجها النووي والصاروخي وطائرات المسيرة لمنع ترويع المنطقة وسكانها مرة أخرى. المقصد هو أنّ الدولة لن تقبل بتكرار هذا التهديد مستقبلاً.

ويبرز تساؤل آخر، هل تستعدّ إيران لارتكاب آثام وجرائم إرهابية أكبر لتنتج أعداء مستدامين في المنطقة العربية، وهو فعلياً ما أنتجته في سوريا على سبيل المثال. إنّ توسيع إيران لدائرة العداء العربي ليس في مصلحتها سواء بالنظر للنظام الراهن أو أي نظام مستقبلي قد يتم صياغته للخروج من الأزمة الراهنة، وهو ليس في مصلحة دول الخليج التي تريد التركيز في الازدهار ومواكبة مسار التطوّر والحداثة في العالم متجاوزة العنصرية الطائفية والمساق الديني في العداء، لكن حتى الآن لا تبدو إيران مؤمنة بمسار كهذا، وهو مقصد البيان الصادر عن الاجتماع الوزاري العربي الإسلامي المنعقد في الرياض والذي رافقته إيران بعمليات عسكرية ضد السعودية لم تتوقف رغم وجود اجتماع لدبلوماسيي الدول الإسلامية.

أما بالنسبة إسرائيل، فقد اتخذت مع الولايات المتحدة قرار الانتقال من إدارة التهديد الإيراني إلى إنهاء التهديد دون التشاور مع الدول التي يفترض أن تكون شريكة في القرار باعتبار أنها تتحمّل تبعاته العسكرية وليس فقط الاقتصادية، والذي مثّل صدمة لدى كثير من دول المنطقة كانت تعتبر أنّ إسرائيل تُدار ضمن منطق المصلحة والعقلانية السياسية، بينما تتبنى اليوم سياسات عشوائية غير محسوبة العواقب، والأسوأ أن تكون محسوبة العواقب وأنّها هي المطلوبة مثل السعي لانهيار الدولة الإيرانية وإضعاف نماذج الخليج مقابل صعود القوة العسكرية الإسرائيلية وهيمنتها في المنطقة، وربما الانتقال لاستهداف دول أخرى في المنطقة مثل تركيا من منطق علاقتها مع حماس أو إيران أو أي تهديد آخر ضمن الفهم الإسرائيلي للتهديد الذي لم يعد مفهوماً.

آمال العلاقة مع إسرائيل:

 بعد الاتفاق الإبراهيمي كانت علاقة الدول العربية مع إسرائيل مفتوحة على كل الاحتمالات التي يمكن أن تمثّل فرصة استراتيجية للطامحين بشرق أوسط مستقر ومزدهر، قادر على التوصل لحلّ للقضية الفلسطينية يضمن الحقوق المتساوية والعدالة والسلام. لكن الاتفاق الابراهيمي لم يترافق بشراكة إسرائيلية فعلية للبناء على هذا التطوّر سواء من حيث التجاوب لتوسيع الاتفاق بتحقيق خطوات إيجابية في ملف حلّ الدولتين أو من خلال إبداء حسن نوايا بالدخول بمثل هذه المفاوضات، وهو ما كان سيفتح الشرق الأوسط ككل على سيناريوهات مختلفة تماماً عما تواجهه المنطقة في الوقت الراهن، من عودة مفهوم العداء لإسرائيل ولإيران. التراجع في علاقة إسرائيل بالفلسطينيين قابلها تراجع مُقابل في علاقتها مع العرب، وأحداث أكتوبر جاءت بعدها لتعقّد وتُعيد للواجهة وللذاكرة العربية مدى قدرة إسرائيل على تجاهل اعتبارات جوهرية بالنسبة للدول العربية وقياداتها وهي أنّ إسرائيل لا تنظر لحياة المدنيين العرب بأنها جزء من القانون الدولي، وهذا يشمل استهداف المدنيين في قطاع غزة، وفي لبنان وسوريا وهو أمر متقاطع تماماً مع اعتبارات الإيرانيين في تعاملهم مع المدنيين في الدول العربية خلال الحرب حيث لا يوجد خطوط حمراء في الحرب، وهي ضربة قاسمة جديدة للقانون الدولي ولمبادئ حفظتها وحاولت المؤسسات الدولية العمل وفقها منذ الحرب العالمية الثانية، فهل الشرق الأوسط خارج القانون الدولي؟

دول الخليج لم تعتدِ في تاريخها على أيٍّ من إسرائيل أو إيران، ومع ذلك فقد هددت الدولتين أمنها واستقراراها بطرق مختلفة، حيث اعتدت إسرائيل مرتين على قطر، الأولى كانت خلال حرب الاثنا عشر يوماً والذي مثّل صدمة تاريخية لدول المنطقة امتدّت لإدارة ترامب، والثانية لدى استهداف منشآت الحقل المشترك بين إيران وقطر، وقد ردّت إيران باستهداف المنشآت القطرية بشكل عنيف كردّ على استهداف إسرائيل.

وهنا يبرز تساؤل، هل قطر مستهدفة اليوم من كل من إسرائيل وإيران؟ وهل ستقوم إسرائيل في إطار خلاصها من النظام الإيراني بضرب وتجاوز أيّ مصالحة لدول الخليج سواء بشكل مباشر كحالة قطر أو غير مباشر من خلال القبول باستهداف إيران المستمر لدول الخليج بصرف النظر عن الثمن والمدى الذي قد يصل إليه الاعتداء الإيراني؟

 

إنهاء التهديد مقابل الثمن:

أشار الدكتور أنور القرقاش أنّه بعد انتهاء الحرب ستكون هناك حاجة للتوصل لاتفاق يضمن عدم تمكّن إيران من استخدام برنامجها النووي أو الصاروخي أو طائراتها المسيرة لترويع المنطقة، وهي نقطة أساسية في رؤية الدولة لمخرجات الحرب، خصوصاً وأنّ دولة الإمارات هي من أكثر الدول المستهدفة من قبل إيران، وهو مؤشر لمدى شعور النظام الإيراني بخطورة وحضور النموذج الإماراتي الحداثي مقابل نموذج إيران الذي يأبى إلا وأن يقدّم شعار العداء للشيطانين الأكبر والأصغر لشعبه.

كيفية الوصول لسيناريو يمكن من خلاله التوصّل لاتفاق يمنع إيران من تهديد جيرانها، يعني التوصّل لنقطة تقود إيران لمراجعة قدراتها العسكرية الهجومية، والتمسك بمنظومة دفاعية هي حقّ لأي دولة. مراجعة كهذه إما ستكون من خلال نقاش داخلي ضمن النظام الإيراني بهدف إنقاذ نفسه من استمرار العمليات العسكرية التي ستقود لانهيار سريع أو استنزاف مشابه لانهيار العراق وهو نقاش لا يبدو أنه موجود في الوقت الراهن كما لا يوجد إدراك في إيران كما يبدو لقدرة إسرائيل واستعدادها للقيام بكل ما يلزم للاستمرار بهذه الحرب مهما كان الثمن مكلفاً، في ظلّ الدعم الأمريكي. من جهة أخرى فالرئيس ترامب لن يعلن وقف الحرب بدون نصر وهذا النّصر يتعلق بقرارات النظام الإيراني نفسه الذي يحتاج لإيجاد صيغة نصر وصيغة تنازل، هذا السيناريو لن يُنهي الخطر الإيراني لأنه سيحافظ على مقاربة العداء لكن مع تقليم للقدرات العسكرية الهجومية ورقابة دولية وثيقة على أي خرق للاتفاق سيظهر لاحقاً.

الوسيلة الثانية هي من خلال انقلاب فكري ضمن النظام الإيراني نفسه يحمل معه قيادات برؤية جديدة قد لا تكون مسالمة تماماً لكنها أقل تهديداً وهو أمر لم يحصل بعد. إعادة إنتاج النظام لنفسه يُفترض أن تعني تبدلات تدريجية في بنية النظام وطريقة قراءته لموقعه في الإقليم ولمستقبله كدولة وطنية-غير عابرة للحدود- قادرة على إقامة علاقات جوار بحسن نيّة يمكن أن تتطور لمرحلة تُنهي مفهوم العداء الإيراني للعرب وتنهي مفهوم التمدّد الطائفي مقابل رؤية اقتصادية وسياسية جديدة، هذه الوسيلة ستحتاج لقرارات ذات وزن من جهة القيادات الإيرانية، قرارات حقيقية صادقة وليست تجميلية.

الحلّ الثالث الذي ترى إسرائيل غالباً أنه الأضمن وأنه الفرصة هو الاستمرار حتى انهيار النظام الإيراني، سواء كان الانهيار باستمرار العمليات العسكرية أو من خلال العزلة الاقتصادية والسياسية طويلة الأمد. بالنسبة للرئيس ترامب فهو رئيس يريد النتائج السريعة ولا يبدو أنه رئيس الخطط التي تتجاوز حقبته الرئاسية، رغم أنه قد يضطر لذلك، هذا يعني أنّ العمليات ضد إيران قد تتطور لتصبح أكثر خطورة على النظام الإيراني لتسريع النتيجة من حيث استهداف القطاع النفطي والمنشآت المرتبطة به بالإضافة لبنى تحتية أساسية مثل الكهرباء والمياه بما يؤدي لشلل اقتصادي ومعيشي كامل في إيران وهو سيناريو سيترافق بعدوان مقابل من الإيرانيين على دول الخليج التي تسعى من خلال وساطتها لتلافي استراتيجية "بأي ثمن" التي تتبعها إسرائيل بدعم الولايات المتحدة حالياً.

بين الحرب وإدارة التهديد:

نجحت دولة الإمارات، النموذج الاقتصادي والاجتماعي الاستراتيجي في المنطقة العربية في مواجهة عدوان إيران وفي مواجهة عبثية الحروب الإسرائيلية وجرّها لدول الخليج لتحمّل نتائجها، كما نجحت في إدارة مفاهيم العداء والصداقة، والتعاون والمواجهة، خلال هذه الأزمة.

وبصرف النظر عن السيناريو الذي سيتم التوصل إليه إسرائيلياً-أمريكياً-إيرانياً فالدول تنظر للعالم بعين مصالحها، وحساب هذه المصالح يعتمد على ثقافة وتجارب القيادات التي تضطر بهذا الزمن وهذه الظروف للتعامل مع بعضها. إنّ عدم القدرة على فَهم تناقضات الآخر وعوامل صناعة الاستراتيجيا في الدول المختلفة يؤدي دائماً للحروب.

رفض دول الخليج الاصطدام العسكري مع إيران أو استخدام أراضيها ضدها، مردّه عدد من الاعتبارات، أولاً لأنّ دول الخليج لا تريد عداء طويل الأمد مع الشعب الإيراني من خلال المشاركة في الهجمات ضده باعتباره دولة جارة ومسلمة، وثانياً لا تريد دول الخليج أن يتحمل سكانها وبنيتها التحتية وكل ما عملت خلال عقود لتحقيقه نتيجة قرار حرب لا تعمل ضمن القوانين الدولية أو مبادئ حماية المدنيين، وثالثاً لطالما رأت دول الخليج أنّ إدارة التهديد قد يكون هو الحلّ طويل الأمد لحصول تغييرات تدريجية في النظام الإيراني دون تورّط مباشر من أي طرف خارجي، وبصرف النظر عما أفرزه النظام الإيراني من ميليشيات وخلايا إرهابية وحروب أهلية في الشرق الأوسط، فإنّه خيار يتم التعامل معه على مستوى الإقليم بقرار دول الإقليم.

 

قد يكون بقاء النظام الإيراني بشكله الحالي هو إدارة للتهديد، وقد يكون اليوم الأخير في الجمهورية الإسلامية هو نهاية للتهديد بشكله الحالي. المعادلة هي رهان على مستويات التهديد والتي قد لا يتم رؤية جميع عناصرها حالياً. بكل الأحوال، يجب أن تقرر الدول المعنيّة نفسها وتناقش السيناريو الذي تعتقد أنه الأكثر نجاعة لمستقبل استقرار المنطقة، ودول الخليج متأثرة بشكل مباشر بخيارات إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، وبناءً على ذلك يجب أن تكون جزء من القرار والنقاش، خصوصاً وأنه يُطلب منها المشاركة بشكل أو بآخر بالعمليات ضد إيران وهو أمر لا تزال ترفضه.

 قد تحيد دول الخليج عن خيار الدفاع مع تزايد خطورة العدوان الإيراني على البني التحتية الحيوية والمدنية داخل مدنها، حتى الآن تميل المعادلة لحسابات الدفاع لكن إذا تساوت نتائج المشاركة في الحرب مع نتائج العزوف عنها فعلى إيران إدراك الفارق الاستراتيجي الذي سيحصل فيما لو أدت ضغوطها على المجتمع الدولي والاقتصاد العالمي من خلال استهداف دول الخليج في إشراك هذه الدول بالحرب.

مشاركة دول الخليج في الحرب ستعني بالضرورة تزايد الخسائر الإيرانية، وتسريع انهيار النظام عسكرياً واقتصادياً، بذات الوقت فإنّ مشاركة دول الخليج ستعني انهيار في الثقة بوجود مصالح مشتركة مع إسرائيل حتى وإن كان العدوّ واحد، لكن اعتبارات الخسائر ليست نفسها، واحترام دول الجوار من خلال التشاور والتخطيط ورسم المصالح الاقتصادية طويلة الأمد، جميعها مبادئ تلقّت ضربة قوية، وأثّرت بما لا يدعو للشكّ في الحسابات الاستراتيجية الخليجية، وقراءتها لضمان أمنها القومي، والتي لن تكون في العلاقة مع إسرائيل وإيران هي نفسها بصرف النظر عن سيناريوهات النهاية.

رشا الجندي

رشا الجندي

مشرف بحثي

المزيد

مجالات الخبرة

  • خبيرة في الشؤون الأمنية والملفات السياسية الاستراتيجية لدول الخليج.
  • خبيرة في قضايا التعاون والأمن الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وباحث أقدم في شؤون الخليج.

التعليم

  • شهادة ماستر في العلاقات الدولية والنظام العالمي من جامعة ليسستر في المملكة المتحدة 2016.
  • تخرّجت من كلية الحقوق عام 2006.

السيرة الشخصية

أ.رشا الجندي حائزة على شهادة ماستر في العلاقات الدولية والنظام العالمي من جامعة ليسستر في المملكة المتحدة 2016. تخرّجت من كلية الحقوق عام 2006، وتدرّبت كمحامية لتلتحق بنقابة المحامين في دمشق عام 2009. رشا خبيرة في أمن وسياسات منطقة الخليج، وتعمل في هذا الاختصاص منذ عام 2011. رشا باحث أقدم في شؤون الخليج في مركز دبي لأبحاث السياسات العامة، كما أنها تشرف على البرنامج التدريبي للمركز.