السبت, 4 ديسمبر, 2021

إيران ودول الخليج: أمل المستقبل وإحباط التاريخ

لقد سقطت الإمارات فريسة "لتودد" إيران، أو هذا على الأقل ما يفهمه قارئ التقارير الإخبارية الإيرانية التي أشارت إلى قبول صاحب السمو الرئيس الإماراتي الدعوة التي قدمت إليه لزيارة إيران. ولكن هل "سحرت" إيران حقا الإمارات بابتساماتها الواسعة؟


لقد نظر بعض المعلقين الإماراتيين باستهجان للزيارة السريعة التي قام بها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإماراتي إلى إيران عقب توقيع مجموعة الدول الخمس+1 لاتفاق مع إيران. فقد وصف عبد الخالق عبد الله تحركات "المسئولين الخليجيين" نحو إيران بأنها "هرولة"، وهو وصف رجع عنه لاحقا. إلا أن العديد من المحليين الخليجيين أيضا ألمحوا إلى أن الإمارات كانت تحاول التحرك قبل الجميع لاستعادة العلاقات مع إيران فيما يبدو وأنه ردة فعل على "صفقة كبيرة" بين إيران والولايات المتحدة. ولكن هل انقطعت العلاقات فعلا بين الإمارات وإيران؟

في الواقع فإن العلاقات الدبلوماسية بين إيران ومعظم دول الخليج ناهيك عن الإمارات. فقد تواصلت الزيارات بين المسئولين الإماراتيين والإيرانيين طوال الفترة السابقة. كما أن العديد من المنظمات الإيرانية غير الحكومية، مثل الهلال الأحمر الإيراني، تواصل عملها في الدولة بتسيير المستشفى الإيراني والمدارس الإيرانية، كما لا تزال المراكز الدينية الشيعية تعمل مع تواصل زيارات الشخصيات الدينية الإيرانية. كما أن رحلات الطيران بين المدن الإماراتية والإيرانية والتي تخدم السياح والمقيمين الإيرانيين لم تتوقف. لا شك أن  التبادل التجاري تقلص بسبب التزام الإمارات بالعقوبات الدولية إلا أن ذلك لم يمس الإمارات وحدها بل جميع الدول التي التزمت بالعقوبات ومنها الدول الغربية. 

إذا فلماذا تثير الزيارات المتبادلة بين وزيري الخارجية الإماراتي والإيراني الدهشة؟ 

لقد جاءت زيارة وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان لإيران في وقت غطى فيه ضباب من الشك مسارات سياسة دول مجلس التعاون الخليجي بسبب الإعلان المفاجئ عن الاتفاق المؤقت. فاجأت الولايات المتحدة حلفاءها بقرار سريع بشأن اتفاق، اتضح أنه لم يكن سريعا على الإطلاق بل طبخ على نار "هادئة" طوال أشهر عدة حيث أجرت الولايات المتحدة محادثات سرية مع إيران دون علم حلفائها. ومع أن تكتيك السرية كان براغماتيا فإنه لم يكن من دون عواقب، فقد سرت استنتاجات مثيرة في دول الخليج العربي بشأن عواقب مثل هذا الانفراج المفاجئ و"المتعجل"، وفي غياب المعلومات الواضحة فقد استندت تلك الاستنتاجات في معظمها على الاستدلال والتكهنات. لذا فإن زيارة وزير الخارجية الإماراتي كانت أول محاولة مباشرة للتحقق المباشر من أبعاد الخطاب الإيراني الجديد وماذا يعنيه ذلك لدول الخليج العربي. الإمارات كان تحاول التأكد من الوقائع والحصول على تقييم مباشر للوضع تستند عليها في تطوير موقفها.

وفي حين لم يتم تسريب الكثير عن ما حدث في زيارة وزير الخارجية الإماراتي لطهران فإن الزيارة اللاحقة لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف للإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى أشارت بوضوح إلى الترحيب بتلك الزيارة جاء استنادا على نتائج استقراء الإمارات بعد زيارة وزير خارجيتها لطهران. ولكن هل يعني ذلك أن إيران قد أقنعت دول مجلس التعاون الخليجي بأنها "تحولت"؟
سيكون من الصعب بأي شكل من الأشكال أن تقوم إيران بشقلبة سياسية بهذا الحجم وتحقيق تغير كامل في مواقفها التي استندت عليها لعقود. فتودد إيران الساحر يبدو لكثير من المراقبين وصناع السياسات مجرد خدعة لتخفيف العقوبات وفتح المجال حتى للحصول على المواد عالية التقنية وخدمات الخبراء التي تحتاجها لإكمال برنامج سري للأسلحة النووية والسلع والخدمات والتي ربما حرمتها منها العقوبات بشكل فعال. ومع ذلك يبدو أن دول مجلس التعاون الخليجي وفي طليعتها الإمارات تفضل ان تمنح أي فرصة لتحقيق سلام لمستقبل المنطقة بدلا من الاعتماد فقد على دروس التاريخ مع إيران. فأفعالها دول الخليج تؤكد بانه "إذا كان هنالك أمل فليأخذ مساره، وإن كان الأمر خدعة فلنتأكد منها".

ويبدو أن موقف الإمارات تجاه إيران في هذه النقطة يقبل بخطاب الولايات المتحدة بأن الاتفاق النووي المؤقت هو مجرد اتفاق نووي لا أكثر ولا أقل، ومع ذلك فإن دول مجلس التعاون الخليجي ليست ساذجة ولا تعتقد أن الولايات المتحدة كذلك. وإن قبلت ذلك الطرح فإنها سترغب في التأكد مما يليه. ويبدو أن "تركة" الرئيس أوباما في الوقت المتبقي من فترته الرئاسية الثانية تعتمد على إحداث انفراجة في إيران. فبعض المعلقين في واشنطن العاصمة يعلنون بالفعل أن الاتفاق مع إيران يمكن أن ينهي حرب أمريكا الطويلة في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أن إنهاء التزام الولايات المتحدة "بالحرب الطويلة" سوف لن ينهي هذه "الحرب الطويلة" إلا أنه سيسمح للولايات المتحدة بتجنب أن تكون جزءا منها. وعلى الرغم من التشكيك في نتيجة مثل هذا النهج إلا أنه يجب النظر أن حكمة الإمارات تملي بأن أي فرصة، ولو كانت ضئيلة، بأن موقف إيران الجديد يمكن أن يقلل التوتر في المنطقة يجب استغلالها. 

إن انعدام ثقة دول مجلس التعاون الخليجي في إيران ليس مجرد شك بل هو نتاج لتاريخ طويل سابق للثورة الإيرانية. ومع ذلك هنالك من يعتقد انه على الرغم من ضآلة الفرص فإنه يجب منح فرصة السلام فرصة. إن موقف الإمارات ليس جديدا، فقد منحت الدبلوماسية الإماراتية فرصا مختلفة للتسوية مع إيران حول جزرها المحتلة، وكانت النتائج مخيبة للآمال. إن انتهاج الحل السلمي لقضية الجزر الثلاث إستراتيجية ثابتة للإمارات. وينطبق هذا على جميع نزاعات الإمارات الحدودية السابقة سواء مع سلطنة عمان أو السعودية. وقد سلكت الإمارات كثيرا من المسارات الدبلوماسية لحل قضيتها الرئيسية مع إيران، منها المحادثات الثنائية المباشرة وعرض تدخل محكمة العدل الدولية التي ساعدت دولا داخل مجلس التعاون الخليجي مثل البحرين وقطر على حل نزاعاتها الإقليمية، بل وحتى قبول تحكيم دولة حليفة لإيران وهي الصين. 

يمكن أن تكون هنالك فرصة معقولة لمستقبل أفضل ولكن ذلك لا يعني أن الطريق سيكون سالكا. 

لا ترغب أي من دول المنطقة في العيش في توتر دائم. والإمارات تدرك ذلك. فإيران يمكن بالفعل أن تحقق عبر السلام أكثر مما ستحققه عبر حشد النفوذ الجيوسياسي باستخدام أدوات التوتر، ويكفيها أن تنظر لما حققته الإمارات كدولة فتية لا تملك كل مقومات إيران التنموية عبر الاستثمار في السلام وتقوية علاقاتها مع جيرانها والعالم أجمع. وينبغي على الولايات المتحدة وإيران الاعتراف بأن تأسيس أرث مستدام في المنطقة يجب أن يكون أساسه أمن المنطقة وشعبها. فالاستثمار في لتكامل الاقتصادي بين جميع الدول المطلة على الخليج العربي يمكن أن يثبت أنه أكثر فائدة لإيران من الاستثمار في بناء قوة عسكرية. فبإمكان إيران تحقيق الكثير عبر شراكتها التجارية مع جيرانها أكثر مما ستحققه عبر صناعتها العسكرية. الشراكة ليست مستحيلة ولكنها لن تكون من غير تضحيات. 

وفي حين أن برنامج إيران النووي يعتبر مصدر قلق للولايات المتحدة وإسرائيل، فإن هذا ليس مصدر القلق الوحيد في المنطقة. فالخطاب العقائدي الإيراني العابر للحدود يعتبر في قلب عدم الاستقرار في المنطقة. لذا فإن إيران تحتاج للتصرف كعضو مسئول في المجتمع الدولي إذا أرادت الاعتراف بمكانتها في المنطقة. إن سيادة إيران الوطنية ستظل محل احترام دول الخليج إذا تصرفت كدولة ذات سيادة لا كدولة دينية تنصب نفسها مدافعا عن الشيعة حيثما كانوا. إن الفرق بين إيران الدولة وإيران "الأمة الشيعية" هو العائق الرئيسي للتكامل وإيران تحتاج للتعامل مع ذلك قبل أن تمتد لها الأيدي بالسلام. 
لقد خطت دول مجلس التعاون الخليجي الخطوة الأولى لإعطاء الاستقرار في المنطقة فرصة ولكن على دبلوماسية إيران الساحرة أن تدرك أن دول الخليج تنتظر أن يصدق قول إيران عملها. 

إن تغيير المستقبل قد يتطلب تغيير الماضي.

محمدعبد الرحمن باهرون

محمدعبد الرحمن باهرون

نائب المدير التنفيذي

المزيد

مجالات الخبرة

  • جيو-استراتيجية
  • السمعة والقوة الناعمة
  • السياسة العامة والعلاقات الدولية

التعليم

  • حاصل على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة تكساس التقنية عام 1995
  • تخصص اللغة الإنجليزية من جامعة الكويت عام 1987

السيرة الشخصية

محمد باهرون هو المدير العام لمركز بحوث، الذي أسسه مع أحمد المنصوري في عام 2002 في دبي، الإمارات العربية المتحدة.

حصل محمد باهرون على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة تكساس للتكنولوجيا عام 1995 وماجستير اللغة الإنجليزية من جامعة الكويت عام 1987. ووجد أن أدب القراءة ساعده في تكوين الصورة الكبيرة لأنه كان يحتاج دائمًا إلى الاستماع إلى أشياء لم يتم قولها. أدى ذلك إلى مهنة في مجال الإعلام حيث عمل كمراسل لمجلة العربي، والتي كانت شهرية ثقافية ممتازة في العالم العربي.

واصل محمد مسيرته المهنية في مجال الإعلام ككاتب لجريدة الاجتهاد، ثم عمل كمحرّر لمجلة تحدي الخليج. كانت نقطة تحول بالنسبة له عندما بدأ يرى أن عوالم الأدب والسياسة لم تكن مختلفة تمامًا.

لقد كانت نقطة انطلاق لإنشاء مركز بحوث. منذ ذلك الحين يقرأ باهرون السياسة العالمية باعتبارها النوع الأدبي النهائي حيث الحقيقة والخيال وجهان لعملة واحدة.